أول الأبيض.. إنهمار في الروح ..إستغراق في البياض.. دفن ماموثي لحصيلة الأيام بفصولها المتنازعة على عرش الطبيعة..
تكللي أيتها الملكة الكبرى يا ملكة الملوك يا آلهة الآلهة.. ارفلي ببياضك الشفاف على أحاسيسنا المتناقضة.. ضيقٌ حبورٌ يأسٌ بضع أحلام بهتت ألوانها خوفٌ وخوفٌ كثير متعة شهوة شهقة رعشة وإشتياقٌ بلاحدود لكل الذكريات المتحصنة وراء الجدران تأبى المجيء تستنكف الغياب وتبقى معلقة كضوء خافت يهتز متدلياً من سقف الذاكرة التي يحدّ فضاء الرؤية ضمن هذا الأبيض الصقيعي الذي يمزج الولادة بالموت.. هو لون الكفن، ثوب العرس، أقمطة الوليد وغطاء المهد واللحد.
شرّفي يا ندف عالمنا الموحل.. غطي أيها القطن الأبيض جروح الروح الغائرة التي لا تزال تنزّ رغم لحمة الجرح ونعمة النسيان.. تباطئي يا غيوم محقونة بالأبيض البرّاق قبل أن يدركك العالم السفلي، عالم البشر الذين هم دائماً من وحل وطين...
مبكراً دخل الثلج فصل الشتاء.. فتح الموسم على مصراعيه وتمختر بمنكبيه الأبيضيين على قارعة الوقت..
لا مواعيد ثابتة لدهشة الطبيعة.. لا مقدمات لا فاتحات ولا إستهلالات لحضور القوة.. فكيف إذا كانت من أقوى قوى الطبيعة..
الثلج قوة اللالون.. لون القرب الأقصى كما الأسود لون البعد اللانهائي.. قمة البرودة تكاثف المائي في أعالي السموات.. التمدد في أوسع حالاته، تمدد المائي في تحولاته بين الجماد والبخار بين الماهية القصوى والتجسد الأكثر خفة وحضوراً.. الغاز روح المادة وزفيرها الأبدي..
هذا الأبيض الذي لا يخلف وراءه سوى الرمادي الذي أحرقته برودة الصقيع.. هناك في القمم حيث تتعانق المتناقضات تحتفي الكتابة بألقها الخارق وسيولتها التي لا تلبث أن تصير بخاراً.. هذا الأبيض الذي يتنازع على عرش الطبيعة يسقط تحت ضربات الواقع الفاقع الألوان فلا يحيل جثته سوى رماداً يغلف الفضاء ويورثنا كل هذا البرد الغائم الكالح...
................................
..............................
..........................
